محمد جواد مغنية
345
في ظلال نهج البلاغة
أسير تحت هوى أمير ، ومن التّوفيق حفظ التّجربة . والمودّة قرابة مستفادة . ولا تأمننّ ملولا . المعنى : ( الجود حارس الأعراض ) من جاد بماله على الناس كفّ ألسنتهم عن ذمه ، ويكفي أن لا يصدق وينطبق عليه ما قيل في ذم البخيل في كتاب اللَّه تعالى ، وعلى لسان المرسلين والناس من الأولين والآخرين ( والحلم فدام السفيه ) الفدام - بكسر الفاء - ما يسد به الفم ، ومن حلم عن السفيه فقد لجم فاه عما هو أدهى وأمرّ . وفي بعض النسخ العلم بدل الحلم ، وهو خطأ ( والعفو زكاة الظفر ) . ومثله في الحكمة 10 « إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه » ومنذ قليل تكلمنا عن العفو في الحكمة 193 ( والسلو عوضك ممن غدر ) تجاهل من خان أو غدر بك ، واجعل السلو عنه جزاء خيانته وغدره ، ولا تزعج قلبك بالتفكير في أمره وشأنه . ( والاستشارة عين الهداية ) لأنها مشاركة الرجال في عقولها ، كما قال في الحكمة 160 ( والصبر يناضل الحدثان ) بكسر الحاء أي نوائب الدهر ، ولا داء لها إلا التجلد والتعقل ، أما الجزع فيزيدها أضعافا ، وسبق الكلام عن ذلك في شرح الحكمة 188 ( وأشرف الغنى ترك المنى ) تقدم بالحرف الواحد في الحكمة 34 . ( وكم من عقل أسير تحت هوى أمير ) . أمير صفة لهوى . والمفروض - بحسب الأصول - أن يكون العقل هو الحاكم الآسر ، والهوى هو المحكوم الأسير ، ولكن الآية على العكس في أكثر الناس ، عقولهم أسرى لأهوائهم . وأغرب ما قرأت في هذا الباب القصة التالية : قال ابن خلكان في « وفيات الأعيان » ترجمة القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة : إن هارون الرشيد أحب جارية عيسى بن جعفر ، فسأله هبتها له أو بيعها فأبى ، وقال : حلفت بالطلاق والعتاق وصدقة جميع ما أملك ان بعتها أو وهبتها ، فطلب الرشيد من أبي يوسف أن يوجد له حلا شرعيا لهذه المعضلة . فقال أبو يوسف لعيسى : هبه نصفها وبعه نصفها ، ولا حنث في ذلك ، لأنك ما بعتها كلها ولا وهبتها كلها .